الحارث المحاسبي

25

الرعاية لحقوق الله

الوساوس والخطرات من الصوفية ، حيث كان كلامهم في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي ، بل إلي مجرد ذوق ورأى ، كما كان ينكر الكلام في مسائل الحرام والحلال بمجرد الرأي من غير دليل شرعي » « 1 » . على ضوء ذلك كله يمكن أن نفهم موقف المحدثين - وبخاصة أحمد بن حنبل - من الحارث المحاسبي ، رحمهم الله تعالى ، إذ رأوا في مسلكه العلمي والتعبدي مخالفة لصنيع السلف الصالح . فأبو زرعة الرازي لما سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه ، قال للسائل : « إياك وهذه الكتب ، هذه كتب بدع وضلالات ، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغنى عن هذه الكتب . قيل له : في هذه الكتب عبرة . قال : من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة . بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء ؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم ، فأتونا مرة بالحارث المحاسبي ، ومرة بعبد الرحيم الديبلى ، ومرة بحاتم الأصم ، ومرة بشقيق البلخي . ثم قال : ما أسرع الناس إلى البدع » « 2 » . وقد علق الذهبي على ذلك بقوله : « وأين مثل الحارث ؟ فكيف لو رأى أبو زرعة تصانيف المتأخرين كالقوت لأبى طالب ، وأين مثل القوت ؟ كيف لو رأى بهجة الأسرار لابن جهضم ، وحقائق التفسير للسلمى ؟ لطار لبّه . . » « 3 » . فأما الإمام أحمد رحمه الله ، فمع تقديره للحارث ، وتقدير الحارث له « 4 » فإن الإمام أحمد رحمه الله كان لا يقبل مذهب الحارث وطريقته .

--> ( 1 ) جامع العلوم والحكم ، الحديث رقم ( 27 ) ص 310 . ( 2 ) أبو زرعة الرازي 2 / 561 ، 562 ، وتاريخ بغداد 8 / 215 ، وميزان الاعتدال 1 / 431 . ( 3 ) ميزان الاعتدال 1 / 431 . ( 4 ) روى ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد ص 121 بسنده عن الفتح بن شخرف قال : ذكر أبو عبد الله أحمد بن حنبل عند الحارث بن أسد قال الفتح : فقلت للحارث : سمعت عبد الرزاق يقول : سمعت سفيان بن عيينة يقول : علماء الأزمنة ثلاثة : ابن عباس في زمانه ، والشعبي في زمانه ، والثوري في زمانه . قال الفتح : قلت أنا للحارث : وأحمد بن حنبل في زمانه . فقال لي الحارث : أحمد بن حنبل نزل به ما لم ينزل بسفيان الثوري والأوزاعي .